ابن العربي
979
أحكام القرآن
أحدها - أنه قول الجلاس بن سويد : إن كان ما جاء به محمد حقّا فلنحن شرّ من الحمر . ثم إنه حلف ما قال ؛ قاله عروة وجاهد وابن إسحاق . الثاني - أنه عبد اللّه بن أبىّ بن سلول حين قال « 1 » : لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ؛ قاله قتادة . الثالث - أنه جماعة المنافقين قالوا ذلك ؛ قاله الحسن . وهو الصحيح ؛ لعموم القول ، ووجود المعنى فيه وفيهم ، وجملة ذلك اعتقادهم وقولهم إنه ليس بنبىّ « 2 » . المسألة الثانية - في هذا دليل على أنّ الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق والمعرفة ، وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا اللّه دون غيره من الأقوال والأفعال ، حسبما بيّناه في أصول الفقه ومسائل الخلاف ، وذلك لسعة الحلّ وضيق العقد ، وذلك كالطلاق يقع بالنية والقول ، وليس يقع النكاح إلّا باللفظ المخصوص مع القول به . المسألة الثالثة - قوله : فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ : فيه دليل على توبة الكافر الذي يسرّ الكفر ويظهر الإيمان ، وهو الذي يسميه الفقهاء الزّنديق . وقد اختلف في ذلك العلماء ، فقال مالك : لا تقبل له توبة . وقال الشافعي : تقبل . وليست المسألة كذلك ، وإنما يقول مالك : إن توبة الزّنديق لا تعرف ، لأنه كان يظهر الإيمان ويسرّ الكفر ، ولا يعلم إيمانه إلا بقوله . وكذلك يفعل الآن وفي كل حين ، يقول : أنا مؤمن ، وهو يضمر خلاف ما يظهر ، فإذا عثرنا عليه [ وقال : تبت ] « 3 » لم يتغير حاله . وقبول التوبة لا يكون إلا لتوبة تتغيّر فيها الحالة الماضية بنقيضها في الآتية ، ولهذا قلنا : إنه إذا جاء تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلنا توبته ، وهو المراد بالآية ، فإنها ليست بعموم ، فتتناول كلّ حالة ؛ وإنما تقتضي القبول المطلقة فيكفي في تحقيق المعنى للفظ وجوده
--> ( 1 ) سورة المنافقون ، آية 8 . ( 2 ) في ا : بشيء . والمثبت من ل ، والقرطبي . ( 3 ) من القرطبي .